محمد بن جرير الطبري

11

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

آبائكم ، ( 1 ) ولن تغلبوا كثرةً ! فلما التقوا نكص على عقبيه = يقول : رجع مدبرًا = وقال : ( إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون ) ، يعني الملائكة . 16192 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا أبو معشر ، عن محمد بن كعب قال : لما أجمعت قريش على السير قالوا : إنما نتخوف من بني بكر ! فقال لهم إبليس ، في صورة سراقة بن مالك بن جعشم : أنا جار لكم من بني بكر ، ولا غالب لكم اليوم من الناس . * * * قال أبو جعفر : فتأويل الكلام : ( وإن الله لسميع عليم ) ، في هذه الأحوال = وحين زين لهم الشيطان خروجهم إليكم ، أيها المؤمنون ، لحربكم وقتالكم وحسَّن ذلك لهم وحثهم عليكم ، وقال لهم : لا غالب لكم اليوم من بني آدم ، فاطمئنوا وأبشروا = ( وإني جار لكم ) ، من كنانة أن تأتيكم من ورائكم فمعيذكم ، ( 2 ) أجيركم وأمنعكم منهم ، فلا تخافوهم ، واجعلوا حدَّكم وبأسكم على محمد وأصحابه ( 3 ) = ( فلما تراءت الفئتان ) ، يقول : فلما تزاحفت جنود الله من المؤمنين وجنود الشيطان من المشركين ، ونظر بعضهم إلى بعض = ( نكص على عقبيه ) ، يقول : رجع القهقري على قفاه هاربًا . ( 4 ) * * * يقال منه : " نكص ينكُص وينكِص نكوصًا " ، ومنه قول زهير : هُمْ يَضْرِبُونَ حَبِيكَ البَيْضِ إِذْ لَحِقُوا لا يَنْكُصُون ، إِذَا مَا اسْتُلْحِمُوا وَحَمُوا ( 5 )

--> ( 1 ) في المطبوعة : " لن يغلبكم " ، وأثبت ما في المخطوطة . ( 2 ) في المطبوعة : " فيغيركم " ، ومثلها في المخطوطة غير منقوطة ، وهذا صواب قراءتها بعد إصلاح فسادها . ( 3 ) في المطبوعة : " جدكم " بالجيم ، وانظر ما سلف ج 13 ص : 577 ، تعليق : 1 . ( 4 ) انظر تفسير " العقب " فيما سلف 3 : 163 \ 11 : 450 . ( 5 ) ديوانه : 159 ، من قصيدته في هرم بن سنان ، وهي من جياد شعره . و " حبيك البيض " ، طرائق حديده . و " البيض " جمع " بيضة " ، هي الخوذة من سلاح المحارب ، على شكل بيضة النعام ، يلبسها الفارس على رأسه لتقيه ضرب السيوف والرماح . و " استلحم الرجل " ( بالبناء للمجهول ) : إذا نشب في ملحمة القتال ، فلم يجد مخلصًا . وقوله : " وحموا " ، من قولهم : " حمى من الشيء حمية ومحمية " ، إذا فارت نفسه وغلت ، وأنف أن يقبل ما يراد به من ضيم ، ومنه : " أنف حمى " .